محمد بن جرير الطبري

47

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين قال : نسلط ظلمة الجن على ظلمة الانس . وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ، قول من قال : معناه : وكذلك نجعل بعض الظالمين لبعض أولياء . لان الله ذكر قبل هذه الآية ما كان من قول المشركين ، فقال جل ثناؤه : وقال أولياؤهم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض ، وأخبر جل ثناؤه أن بعضهم أولياء بعض ، ثم عقب خبره ذلك بخبره عن أن ولاية بعضهم بعضا بتوليته إياهم ، فقال : وكما جعلنا بعض هؤلاء المشركين من الجن والإنس أولياء بعض يستمتع بعضهم ببعض ، كذلك نجعل بعضهم أولياء بعض في كل الأمور بما كانوا يكسبون من معاصي الله ويعملونه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) * . وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء العادلين به من مشركي الإنس والجن ، يخبر أنه يقول لهم تعالى ذكره يومئذ : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي يقول : يخبرونكم بما أوحي إليهم من تنبيهي إياكم على مواضع حججي وتعريفي لكم أدلتي على توحيدي ، وتصديق أنبيائي ، والعمل بأمري والانتهاء إلى حدودي . وينذرونكم لقاء يومكم هذا يقول : يحذرونكم لقاء عذابي في يومكم هذا وعقابي على معصيتكم إياي ، فتنتهوا عن معاصي . وهذا من الله جل ثناؤه تقريع وتوبيخ لهؤلاء الكفرة على ما سلف منهم في الدنيا من الفسوق والمعاصي ، ومعناه : قد أتاكم رسل منكم ينبهونكم على خطأ ما كنتم عليه مقيمين بالحجج البالغة ، وينذرونكم وعيد الله على مقامكم على ما كنتم عليه مقيمين ، فلم تقبلوا ذلك ولم تتذكروا ولم تعتبروا . واختلف أهل التأويل في الجن ، هل أرسل منهم إليهم أم لا ؟ فقال بعضهم : قد أرسل إليه رسل كما أرسل إلى الانس منهم رسل . ذكر من قال ذلك :